تحية طيبة ...
إسمحوا لى بعرض هذه الفكرة والتى قدمتها فى موضوع سابق لى على أمل أن أفى فكرة العشوائية والنظام والصدفة حقها فى طرحنا هذا .
** الرسم والصدفة والنظام والله .



من أعمال الفنان Scott Burdick
هذا التأمل جاء متأخرا فى حياتى بالرغم أننى كنت أمارس الرسم والتشكيل منذ نعومة الأظافر ..فلم أفطن أو أحلل كيف أرسم وكيف يتخلق من مجموهة هائلة من الخطوط العشوائية تشكيل محدد ..وكيف أن رسوماتى ماهى إلا خلق نظام من وسط الفوضى ..أو قل أن النظام هو وليد عمليات فوضوية وعشوائية فى لحظة ما .
كانت بداياتى الأولى للرسم مع القلم الرصاص وبه كنت أخط رسوماتى المختلفة ..فمن خلال كم هائل من الخطوط المنحنية والغير منتظمة كان يتم تشكيل منظر محدد أو بورتريه واضح الملامح .
لم أكن أفطن بالفكرة التى راودتنى فى مرحلة متقدمة من عمرى عندما بدأت أتأمل بعمق ما خطته وتخطه يداى لأصل إلى مفاهيم عميقة تعطى دلالات كثيرة تخوض فى الصدفة والنظام والعشوائية وفكرة الإله .
عندما نتأمل لوحات مثل تلك ..فماذا نرى ؟
نرى عدد هائل من الخطوط المنحنية المختلفة القصيرة والطويلة والغير منتظمة .
أنظر لكل خط فيها ستجده ليس له أى معنى أو دلالة محددة ولكن بتكاثفه وتشابكه وإمتزاجه مع غيره من الخطوط والمنحنيات أعطى تشكيل له معنى .
أنظر إلى الضوء وكيف يتشكل من خلال التحكم فى القلم بالتكثيف حينا والتخفيف حينا أخرى ..ومن خلال نبضات حسية عصبية تلقائية يمكن أن ينشكل الضوء والظل .
عندما كنت أخط مثل تلك الخطوط لم أكن أفكر فيها بشكل محسوب كما أمارس التخطيط فى حالة رسوماتى الهندسية ..ففى الرسم الهندسى يكون كل خط ومنحنى هو محدد القياس والهدف والإتجاه ..بينما فى الرسم التشكيلى لا يكون هناك خط محدد بقدر ماهو عمل تلقائى .
ولعل المقارنة بين الرسم الهندسى والرسم التشكيلى يعطينا إنطباع بأننا من خلال الفوضى والطبيعة إستطعنا أن نخلق حالة نظامية ما ...هو الخط الهندسى .
لم أكن أتعمد بشكل قسرى رسم النمنمات الكثيرة فى الصورة ..ولم يكن هناك أيضا إحساس واعى بدرجة قوة القلم فى الأصابع والذى يعطى درجات هائلة من التظليل .
كل الأمور المصاحبة لعملية الرسم تتم بدون أفكار وقوانين مبرمجة ومنظمة ومخططة بشكل كبير ..أنا ألقى القلم على الورقة محركا القلم فى يدى بتلقائية شديدة لتنتج عدد هائل من الخطوط والمنحنيات المتشابكة , كل خط ومنحنى فيه لا يشكل أى معنى أو قيمة دلالاية بل وحدة مجردة ..ولكن مع تشابكه وتجاوره مع خطوط أخرى أعطى لنا معنى وقيمة .
هكذا يمكنا فهم الصدفة والعشوائية والنظام ..أنها كم هائل من الخطوط والمنحنيات كل وحدة منها لا يكون له دلالة محدة أو قيمة ندركها ولكن مع تضافرها مع بعضها أعطانا رسما محددا قد نألفه ويكون له معنى أو لا نألفه .
نحن دائما ما نقع فى مستنقع المنتج النهائى كامل الصنع ..فلو لو نظرنا لأول خط فى لوحة فنان سنجد أنه ليس له معنى لأنه الوحدة التجريدية الأولى ولكن مع ذوبان وتداخل هذا الخط مع خطوط أخرى مثله كثيرة ومتنوعة أصبح للرسم معنى وقيمة ..وهكذا الطبيعة والوجود ..نحن نرى المنتج النهائى فننبهر به كما ننبهر بلوحة الفنان النهائية .
لا توجد لوحة تشبه أخرى حتى لو حاولنا أن ننسخها بدقة ومهارة ..لأن أى لوحة هى تعبير وإحساس عن لحظة عصبية محددة متأثرة بكل الأبعاد من زمان ومكان .
ولا يوجد فى الطبيعة مشهد يتطابق مع أخر ..لأنه بالفعل لا يوجد تكرار للحظات الزمانية والمكانية ..قد نقول أن هذا المنظر أو اللوحة تتطابق مع مشهد أخر ولكننا نكون مخطئين لو أمعنا النظر والتدقيق ,فالماء لا يجرى فى النهر مرتين .
نحن كبشر لا تكون نظرتنا لأى مشهد من خلال عملية تدقيق صارمة بل نأخذ بالمتشابهات ..فلا توجد ثمرة تفاح تتطابق مع ثمرة تفاح بالوجود سواء بالماضى أو الحاضر أو المستقبل .
من خلال عمليات كثيرة من العشوائية تتكون لحظة ما نظامية كما فى لوحة الفنان , والتى نستطيع تقبلها ..بينما لا نتقبل أعمال وخطوط أخرى تم رسمها عن طريق ملايين البشر .
والطبيعة تنتج بعشوائيتها مليارات المناظر التى تتكون من خطوط ومنحنيات تشكل مليارات المناظر التى نراها والتى لا تتطابق مع بعضها ولكن هناك فرق بين لوحة الفنان ولوح الطبيعة ..فلوحة الطبيعة هى المعلم الأول والوحيد والمنفرد والمتفرد والذى يعلمنا الخط واللون ..ومنها تكون مهمة الفنان أن يحاكيها ويمتصها ليخرج بخطوط وألوان هى من إنتاجها بالضرورة .
هل وفقت فى تبيان العشوائية والنظام من خلال هذا المثال ,أتمنى هذا ..وإن جانبنى الغموض فأأمل فى تأملات لاحقة أن ألقى المزيد من الضوء لأبين أننا نتاج حالة من العشوائية الشديدة .
دمتم بخير ...