تحديد تأريخ كتابة التوراة من خلال لغتها العبريةوالتر رَينهولد ڤارتِگ ماتفيلد إي دي لا تورّي, ماجستير في الآداب (التربية)
27/آيار/2003
إعادة نظر في 12/آذار/2007
لقد حدث من حين لآخر أن تحقيقات نشأت حول إن كان بإمكان دراسة اللغة العبرية المستخدمة في الكتاب المقدس أن تحدد متى كُتبت التوراة (الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس). لقد لاحظ باحثون مختصون محنكون في اللغات العبرية والكنعانية والآرامية والأكدية والمصريّة القديمةِ المشكلةَ. إن أقدم نموذج للغة العبرية من نص آثاري يعود إلى القرن العاشر ق. م. وهو ما يسمى بحجر جازر, مرقوما على حجر جيري, وهو يعدد أشهر السنة إزاء المهمات الواجب القيام بها (راجع المجلد الثالث, ص. 96. مارك دي مك لين."النقوش العبرانية." دَيڨِد نويل فريدمان, مراجعا. قاموس المرساة للكاتب المقدس. نيويورك. دبلدَي. 1992).
إن النص الكتابي يقترح على العديد من الباحثين المحافظين الأصوليين أن موسى هو الذي كتب التوراة إبان القرن 15 ق.م , راجع سفر الملوك الأول 6: 1, الذي يقترح حصول الخروج من أرض مصر في العام 1446 ق.م.[/u] إن التأريخ المقتَرَح موجود في ترجمة الملك جيمس من الكتاب المقدس وقد حُسِب من قبل جيمس كبير أساقفة أُشر في آيرلندة ووضع في هوامش الكتب المقدسة من الترجمة أعلاه في القرن الثامن عشر م. في المقابل ولكون الكتب المقدسة الكاثوليكية منحدرة إلى حد ما من الترجمة السبعينية اليونانية للكتاب المقدس والتي تعود إلى القرن الثالث ق.م, فإنها تحفظ تأريخا للخروج هو 1512 ق.م.
ما هي المشكلة إذا؟ إن الباحثين قد قرروا أن العبرية التي تمتلك 22 حرفا قد تكون "منحدرة" من اللغة السامية الشمالية الغربية القديمة للقرون من ال18 إلى ال15 ق.م . وفي هذه الفترة تَمَّ استخدام 30 إلى 27 شكلا من الحروف.
إن كان موسى قد كتب التوراة(الأسفار الخمسة الاولى من الكتاب المقدس) "فعلا" في القرنين ال16 وال15 ق.م, فإن هذه الكتابة يجب أن تكون من نوعٍ يسمى السينائي البدائي, الموجود على رُقُمٍ حجرية في جنوب سيناء والمرتبط بمواقع التنجيم المصرية من القرن الخامس ق.م (وهي موجودة كذلك في كنعان وتعود إلى قرون أقدم من ذلك, هما القرنين ال17 إلى ال15 ق. م). لذلك يجب أن يكون موسى قد وظَف 27 حرفا صحيحا في أسلوب كتابته, بالإضافة إلى "نهايات إعرابية" مختلفة, إلا أننا لا نجدها مستخدمة حتى ولو على شكل أجزاء صغيرة من عبارات محفوظة على شكلها القديم أو حتى كلمات قديمة الصيغة هنا أو هناك. إن لغة التوراة تفسها تؤكد أن التوراة لا يمكن أن تكون وثيقة تعود إلى أيام موسى أو إلى القرنين السادس عشر على الخامس عشر ق. م. لقد لاحظت مسبقا أن دراسة للمواقع المذكورة في التوراة وسفر يشوع تكشف أن بعض تلك المواقع لم توجد حتى القرن السابع ق. م, مما يدل على أن التأريخ الابتدائي لم يكتب قبل تلك الفترة.
يقول البروفيسور الراحل ألبرت عن الكتابة السينائية الأولية :
"أولا, إن الحقيقة القائلة أن الألف بائية السينائية المبكرة كانت مكونة من حروف صحيحة فقط يثبتها اتفاق النقوش الفينيقية المبكرة من جُبيل, والمنشورة منذ عام 1923...ثانيا, لقد بيّن ماكس بُؤخارد وآخرون من النُسخ المصرية أن الكتابة السينائية الشمالية الغربية كانت لا تزال تميز بين عدد من الفونيمات (الأصوات) التي اتحدت مع أصوات أخرى في فترات لاحقة. لقد أثبت وجهة النظر هذه اكتشاف اللغة الأوغاريتية وتفسيرها في عام 1930, تمتلك الأوغاريتية 27 رمزا لحرف صحيح بالإضافة إلى رمزين إضافيين للألِف ولحرف ثاني هو سَمِخ. وقد عزز وجهة النظر هذه أيضا اكتشاف لائحة بالألف بائية الأوغاريتية ونصوص أخرى والتي أثبتت أن خمسة حروف صحيحة قد فقدت حوالي القرن الثالث عشر ق.م, مما يترك بالضبط 22 حرفا صحيحا عبريا-فينيقيا محل ال27 حرفا الأولى...في نفس الوقت ترتبط النصوص السينائية الأولية التي كانت معزولة نوعا ما بنقوش كتابية ألف بائية مبكرة من البلاد الشامية والتي من الواضح أنها إما متقدمة أو لاحقة للصيَغ السينائية الأولية. بسبب إمكانية تحديد تأريخ لهذه الاكتشافات الحديثة ,باستخدام أساليب آثارية, ألا وهو أواخر القرن 15 ق.م, فإنه يمكنها أن تأكد لنا ما حدده پِترايِس من تأريخٍ للمادة المكتوبة بالسينائية الأولية والذي ذكر أنه القرن الخامس عشر ق. م., وذلك بالاعتماد على المكتشفات المصرية في سِرابة الخادم. إن هذا التأريخ التقريبي يمكننا من أن نستعمل دليلا من اللغويات التاريخية, خصوصا عن طريق الإستدلال باللغة الأوغاريتية والمواد المكتوبة من عصر مقارب نوعا ما. إن النصوص السينائية تسبق زمنيا, وبشكل واضح, فقدان العلامات الإعرابية الآخرية (المحفوظة في اللغتين الأوغاريتية والكنعانية المستخدمة في سجلات تل العمارنة) وما رافق هذا الفقدان من تحوير في اللكنة....بما أن النصوص السينائية الأولية لا تعتبر متجانسة بذاتها من ناحية النمط الكتابي, بل تُبدي تطورا ملحوظا في أسلوب الكتابة, لذلك فإننا نستطيع أن نجرّب تحديد تأريخها في الفترة الواقعة بين حوالي 1550 ق. م و1450 ق.م, وربما بين 1525 و1475 (أنظر أدناه). إن مسلة لخيش الموشورية الشكل تؤكد هذا الـتأريخ العام, كما وضحنا أعلاه. إن الدليل الذي يأتينا من دراسة الأنماط القديمة في الكتابة هو الآن أكثر أهمية من كل المعلومات الأخرى بهذا الخصوص."
(ص ص. 5-7. وليَم فُكسوِل ألبرت. النقوش الكتابية السينائية الأولية وتفسير مكنونها. كامبرج, ماساتشوسِتس. مطبعة جامعة هارڨرد.1966)
إنني أدرك أن الأصوليين المحافظين قد يجادلون فيقولون أن موسى قد كتب التوراة في القرنين ال16/15 ق. م باستخدام 27 حرفا صحيحا, إلا أن منقحا متأخرا قد "عصرَنَ" عمله, مستخدما 22 حرفا صحيحا و"حَدَّثَ" القصة من أجل المستمعين من خلال حَشر أسماء القرى والمدن التي لم توجد قبل القرن السابع ق.م.
من المثير للاهتمام في هذا الخصوص تعليق للبروفيسور كلاي من العام 1919على جزئية أنه لم توجد في أيامه (وهذا ما زال ينطبق على أيامنا) أي نقش كتابي يَشهد على أن العبرية كلغة كانت موجودة في الألف الثاني ق.م, لقد لاحظ أن عددا من الشعوب كانت تستخدم الكتابة المسمارية الأكدية (البابلية) كأسلوب كتابي مقاطعي أو وسيطة للكتابة, إلا أنه من الممكن للمرء أن يحدد اللغة الممثلة بتلك الوسيطة الأجنبية. من المثير للاهتمام هنا أنه وبالرغم من أن كلاي كان على معرفة بمراسلات تل العمارنة (رسائل مكتوبة على رقم طينية من العمّال من ملوك كنعان للفرعون أخناتون من حوالي الأعوام 135-1334 ق.م), لا توجد لغة عبرية! فإن كان العبرانيون قد فتحوا كنعان مع حلول عام 1406 ق. م (راجع سفر الملوك الأول6:1) لماذا تُكتَب رسائل من شكيم (التي اجتمع فيها يشوع مع العشائر ليقطعوا عهد الولاء ليهوه, يشوع 24: 1-28) بلهجة كنعانية وليس بالعبرية؟
يقول البروفيسور كلاي:
"هنالك العديد من الكلمات العبرية في رسائل العمارنة. بعضها (إن غضضنا النظر عن الأسماء الشخصية) توجد في الرُقٌم الكابادوقيّة والرُقُم الأخرى المكتوبة باللغة البابلية, إلا أنه لا يُمكِن أن يُقال عن أي رقيم معروف لكاتب هذه الكلمات أنه مكتوب باللغة العبرية بخط أو رموز مقطعية بابلية. فلنكرر. إن شعوبا أخرى كالحِثّيين والميتانيين وشعوب حوض بحيرة وان قد استخدموا الرموز المقطعية البابلية لتدوين لغتهم. إن هذا كان معروفا في أرجاء بلاد الأموريين التي لدينا الكثير من الدلائل عنها. لم إذا
لم يوجد حتى ولو رقيم واحد لحد الآن في فلسطين, أو ما بين النهرين, أو بلاد بابل مكتوب اللغة العبرية؟"
(ص. 64. ألبرت تي كلاي. :مملكة الأموريين," نيو هاڨن. مطبعة جامعة يَيل. 1919)
يلاحظ شلومو عِزريئيل أن كل رسائل العمارنة من كنعان تكشف عن تكلّمٍ بلغة تخاطب كنعانية, يبدو أنه غير مدرك لوجود أي رسالة عمارنة من لَبأيو الشكيمي التي تكشف عن تكلّم باللغة العبرية:
"عموما, كل ما كانت الرسالة من رسائل العمارنة أكثر توغلا إلى الجنوب من حيث المصدر, كلما بَعُدَت عن الأكدية, واقتربت من لغة التخاطب الكنعانية الشائعة في تلك المنطقة."
(ص. 2418. الجزء الرابع. شلومو عزريئيل. "رسائل العمارنة من كنعان." جاك إم ساسون مراجعا. "حضارات الشرق الأدنى القديم." پيبَدي, ماساتشوستس, هِندرِكسُن الناشرون. 1995. 2000. أربعة أجزاء. في كتابين).
أن دِمسكي يؤكد أن أقدم نقش كتابي عبري لا يسبق القرن التاسع ق. م بحال. (إن المثال الذي يعطيه هو في الحقيقة النقش الموآبي لمسلة ميشع وليس لغة عبرية):
"إن الألف بائية قد مرت خلال مراحل مختلفة قبل أن تصبح واسطة تبادل معلومات شائعة في العهود القديمة المبكرة...إن الفترة التكوينية الطويلة نسبيا لتطور الخط الكنعاني البدائي التي استمرت لحوالي الخمسمائة عام قد تكون ناتجة عن العوامل الثقافية والإجتماعية-السياسية المؤثرة على الكتابة في كنعان خلال الفترات من العصر البرونزي الوسيط 2ب إلى العصر البرونزي الحديث. كانت دويلات المدن الكنعانية وحدات إدارية صغيرة خاضعة سياسيا وثقافيا لحضارتي مصر وما بين النهرين العظيمتين ولجيرانها الشماليين, وبالأخص الحثيين. كذلك فإن اعتماد طبقة الكتّاب الكنعانية المحافظة على أنظمة الكتابة الإمبراطورية الرسمية قد ثبّط تطور الألف بائية أيضا. مع ذلك, كان هنالك خلال تلك الفترة بعض التجارب المحلية التي أنتجت البعض من الخطوط غير المفكوكة المعاني لحد هذا اليوم (الكتابة الهيروغليفية-الكاذبة الجُبَيليّة, نقش بلوعة ورُقُم دير الله ). إن الألف بائية الكنعانية المختلفة جذريا من حيث المفهوم والوسيلة أصبحت الخط الأكثر شيوعا وثباتا من بين كل الخطوط المحلية لدى الشعوب السامية الشمالية الغربية في الألفية الثانية ق. م. قد يكون أقدم نقش من بين هذه النقوش الألف بائية هو نقش "ك ل ب" الصُوَري من جازر الذي يؤرخ بين عامي 1700 و1600 ق. م.
(ص ص. 5-7. آرون دِمسكي. "الكتابة في إسرائيل القديمة وفي اليهودية المبكرة: الفترة الكتابية," مارتن جان مُلدَر وهاري سِسلِنگ مُراجعين. مِقرا, نص, ترجمة, قراءة و تفسير الكتب المقدس اليهودي في اليهودية القديمة والمسيحية المبكرة. 1988. ڨان گوركَم, آسن/ناسترخت و مطبعة فورترس, فيلادِلفيا).
بالإضافة إلى ذلك, توفر لنا المجموعة من النقوش الكتابية المتكونة من أقل من أربعين نقشا من سرابة الخادم Serabit el Khadim ومحيطها في جنوبي سيناء بمجموعة كاملة من الرموز تتألف من حوالي الثلاثين رمزا. لقد عرّف نظام الكتاب هذا بأنه كتابة ألف بائية للهجة كنعانية وسمي بالسينائي البدائي. هنالك خلاف حول تحديد التاريخ الذي يعود إليه النظام وحول موقعه في تأريخ الألف بائية. فبينما يوافق بعض الباحثين على تأريخ يتراوح حول العام 1500 ق.م (السلالة الثامنة عشرة), جادل آخرون من أجل تعزيز وجهة نظرهم التي تحدد تأريخا أقدم يتراوح حول العام 1800 ق. م خلال حكم السلالة الثانية عشرة. لكون مناجم سيناء الجنوبية قد شُغِّلَت لفترة طويلة من الزمن, يمكن للدليل الآثاري أن يدعم كلا الـتأريخين. إلا أن تحديد تأريخ مبكر سوف يقترح علينا نظرية لا يُمكن دعمها هي أن الألف بائية كانت قد اخترعت خلال العصر البرونزي الأول. إن استخدام ألف بائية شديدة الميل إلى التصويرية في جنوب سيناء هو أمر لمّا يُفسّر بشكل جيد بعدُ. لا يُمكن أن يُقبل اقتراح يقول أن هذه المناجم كانت مصدرا أوحى بفكرة الألف بائية, بما معناه, أن تكون أداة الربط المفقودة مع الخط المصري القديم, ولا يمكن أن تكون الألف بائية اختراعا من قبل قوة مُسخّرة من الكنعانيين يُحتمل وجودها في هذا الموقع. إن الأكثر احتمالا أن يكون الساميون الذين كتبوا النقوش السينائية الأولية أحرارا, وربما كانوا تجارا كنعانيين استقروا هناك. لذلك من الممكن جدا أن ما يسمى بالألف بائية السينائية الأولية كانت متداولة في مناطق محددة من جنوب كنعان مثل الشفيلة the Shephelah (جازر, لخيش) أو ربما تلك المدن المتاخمة لصحراء النقب من غزة غربا إلى حرمةHormah شرقا. (ص. 7. دمسكي)
كان تطبيق المبدأ الألف بائي على الخط المسماري مكتوبا بالقلم الضاغط على رُقُم طينية واحدا من أكثر التطوّرات المبكّرة إثارة للاهتمام. كان هذا بلا شك عملا من أعمال الكتبة الكنعانيين الذين أدركوا منافع المبدأ الألف بائي ممزوجا بالأسلوب المسماري الذي كان يُدرَسُ في كل المدن الكبيرة في الشرق الأدنى القديم. لذلك, فمن غير المفاجيء أن نرى أن القسم الأعظم من الألف بائية المسمارية قد وُجد في أوغاريت ومحيطها حيث كان يتواجد طلب شديد على الكتابة بخمسة لغات معروفة, كانت الألف بائية الأوغاريتية المكونة من ثلاثين رمزا مستخدمة في كتابة الرسائل, والوثائق الإدارية وبالأخص الشعر وعلم الأساطير الكنعانيين.
تبعت الألف بائية التسلسل الأساسي المعروف من الألف بائية الفينيقية المتأخرة زمنيا, بالإضافة إلى وجود حوالي الخمس رموز حرفية تعكِس النظام الصوتي السامي كاملا (خذ العربية الفصحى على سبيل المثال). أضاف الكتبة ثلاثة حروف أخرى لتغطية احتياجهم لدقة أكبر. لقد اكتشف نوع مختلف من هذا النظام كان موجودا فعلا آنذاك في الأرشيف الأوغاريتي, حيث مثّلت ألف بائية مسمارية مقتضبة تُكتب من اليمين إلى اليسار لهجة كنعانية جنوبية. لقد وجدت نماذج أخرى للألف بائية المسمارية في مواقع كنعانية مثل بيت شمش, تعناك, جبل تابور (في الجليل. المترجم) وصرفة (صرفند) Sarepta شمال صور, بالإضافة إلى كامد اللوز في البقاع. يمكننا أن نخمن أن الألف بائية المسمارية كانت شائعة في أوساط الكتبة الكنعانيين الذين استخدموها للاحتياجات الإدارية والأدبية و المحلية. لقد اختفت مع تدمير أوغاريت حوالي العام 1200 ق. م. ثم اختفت في الجنوب بعدها بقليل , ضحية للنظام السياسي الجديد الذي أنهى الهيمنة السياسية والثقافية الرافدينية والمصرية المباشرة.
خلال الفترة من القرن الثالث عشر إلى القرن الثاني عشر ق. م, نستطيع أن نجد نقوشا كتابية أكثر باللغة الكنعانية الأولية, بالرغم من أنها بشكل مجزأ عموما. إلا أن بعضها نذري في طبيعته مثل إبريق لخيش الذي كشف عنه كرُس:( م-ت-ن: س-ي ] ل-ر-ب[ ت-ي ء-ل-ت) بما معناه (متَّن. تقدمة لربتي اللات), بالإضافة إلى طاسة لخيش من موقع قبور الولادة قرب تل الفرعة في النقب. قد تكون نقوش كتابية أخرى ذات طبيعة إدارية. إن الكسرة الخزفية من عزبة سرتة قرب تل أفك كانت تمرينا في الكتابة محتوية على أقدم نموذج للألف بائية لينة الخط مكونة من 22 حرفا. مما يجدر ملاحظته أن النقش كان محزوزا من اليسار إلى اليمين ويعكس تقليدا محليا, وهو التقليد الذي نقل تسلسل الأحرف إلى حيط-زَين و فِ-عَين.
خلال الأول من الألفية الأولى ق. م. تطورت ثلاثة خطوط كتابية قومية في بلاد الشام من الخط الكنعاني البدائي إلا وهي: الفينيقية والعبرية والآرامية. كان الخط الأول مستخدما من قبل الفينيقيين خلال رحلاتهم التجارية حول البحر المتوسط منذ القرن الحادي عشر ق.م, كما تدل النقوش الكتابية من نورا وكريت. مع حلول القرن التاسع حاز الخط الفينيقي, برفقة اللهجة الصوريّة, على ميزة صيرورته واسطة لكتابة النقوش التذكارية للحكام المحليين (كِلَموا من سَمال (الزنجرلي) وأزيتَوادا في قيليقيا). ثم أنه وُجد مع اختلافات بسيطة في المستعمرات الغربية, وخصوصا في قرطاجة, ويسمى هناك بالخط الپوني.
كان الخط العبري الذي وُثق لأول مرة في القرن التاسع ق. م مقيدا مكانيا على نحو أكبر بالمملكتين الإسرائيليتين ومحيطهما (مسلة ميشع). خلال فترة الكومنولث الأول لم يتغير الخط كثيرا كما استمر مُستعملا في أيام الهيكل الثاني,
إلا أنه استبدل مع حلول القرن الثالث ق. م بالخط اليهودي (المسمى بالخط المربّع أو "الآشوري") والذي تطور عن الخط الآرامي.
كان الخط الآرامي أكثر تداولا وكان الأقل محافظة في تطوره, وبالأخص ما إن أصبح هذا الخط برفقة اللغة المحكية وسيلة عالمية للتواصل المعلوماتي متبناة من قبل الإمبراطورية الآشورية الحديثة (أنظر سفر الملوك الثاني 18: 26). في حين أن النقوش الكتابية الآرامية المعروفة من القرن التاسع ق. م هي بوضوح عمليات تَبَنِ للخط الفينيقي, نجد أن نقش تل فخرية المعاصر لتلك الفترة والمكتشف حديثا يستخدم رموزا عتيقة أقرب أحيانا إلى كِسَرعزبة سرتة الخزفية النذرية من القرن الثاني عشر ق.م, مما يدل على اتصال مباشر أكبر مع الخط الكنعاني البدائي. إننا لا نبدأ بملاحظة التطور والتشعب الأكثر سرعة للخط الكتابي إلى أنماط قومية إلا في الفترة الهلنسية, عندما لم تعد الآرامية اللغة الرسمية للحكومة.
لقد تبنى المسبيون اليهود العائدون إلى صهيون من بابل عادات شائعة في الوسط الأممي الذي عاشوا فيه. لقد استخدموا أسماء الأشهر البابلية (مثل نيسان وتشري وكسلو), واتخذوا أسماء أجنبية (مثل مردخاي, وإستي, وزر بابل). بدأ اليهود باستخدام الخط واللغة الآرامية بالإضافة إلى اللغة والخط العبري. إن بعضا من أسماء الأحرف أعطيت اسم مقابلها الآرامي (مثل زَين و رِش).
مع حلول القرن الثالث ق. م, تطور خط يهودي محلي ذو خصائص خصوصية من الخط الآرامي الأصلي. إنه موثق في بعض المخطوطات الكتابية المبكرة من قراطيس البحر الميت. عزا الربيّون هذا الخط إلى عزرا وأسموه (كْتاڨ أشوري) والذي يعني إمّا (الخط الآشوري), إن أخذنا بنظر الاعتبار الظروف التـاريخية لاقتباسه من مصدر أجنبي, أو أنه يعني (الخط الشرعي) أو (مِعوشَر). لقد استبدل في النهاية الخط العبري القديم." (ص ص. 9-10. دمسكي)
بالضد من دمسكي, يعتقد مك كلين أن حجر جازر هو أقدم نموذج للخط العبري, مؤرخا إياه في القرن العاشر ق. م:
"لمنع الالتباس ولتأسيس علم مصطلحٍ موحّد, تم تبني التعاريف التي اقترحها إف إم كرُس (1961 ب:189-190, الأعداد 4-5). إن الخط العبري يشير إلى أشكال الحروف العبري الأصلية المشتقة من الألف بائية الفينيقية والمستخدمة طيلة فترة الهيكل الأول... إن النماذج الباقية للخط العبري نُقِشت على مواد مقاومة للعوامل الخارجية مثل الحجر والجواهر المستخدمة لصنع الأختام, ومقابض الجرار, أو الطمغات الطينية للأختام , أو كتبَت على كِسَر خزف بحِبرٍ مصنوع من الكاربون أو أملاح الحديد. يوجد لدينا في عصرنا الحاضر نموذج واحد لخط عبري مكتوب على ورق البردي, وجد في وادي المربعات. يعود النموذج اعتمادا على الدليل الذي تقدمه دراسة الخطوط القديمة إلى القرن السابع ق.م.
بعض من أكثر النقوش الكتابية أهمية يتضمن حجر جازر, ونقش سلوام, ومدفن الساقي الملكي. إن حجر جازر هو تقويم زراعي من القرن العاشر ق.م منقوش على حجر جيري, وهو يعدد اشهر السنة مقابل المهمات الواجب القيام بها في تلك الفترة من الزمن. يُسَجِّل نقش سلوام (أواخر القرن الثامن ق. م) التحام نفق القناة المائية التي حُفِرَت من قبل حزقيا لتوفير الماء لأورشليم في حال حصول حصار. يعود نقش شاهد قبر الساقي الملكي إلى نفس الفترة ويسجل رجاءا من الساقي لأي ناهب قبر محتمل من أجل أن يترك المدفن على حاله لأنه لا يحتوي أية كنوز, ما عدا عظامه الخاصة وعظام خادمته.
(ص. 96. الجزء الثالث. مارك دي مك لين. "الخطوط العبرية." دَيڨد نويل فريدمان جامعا ومنقحا. "قاموس المرساة للكتاب المقدّس." 1992. دبلدَي-أنكَر. نيويورك)
لقد جادل المحافظون الأصوليون لإثبات أن "نقص الدليل ليس إثباتا على أن حدثا ما لم يحصل حقا." إنهم يذكرون أن المصريين كانوا يستخدمون ورق البردي خلال القرن الخامس عشر ق. م., وهي أيام موسى, ولذلك فهم يقترحون أن من الممكن أنه قد استخدم مواد كتابة قابلة للتلف. وقد لاحظوا أيضا جداريات من الفترة الآشورية الحديثة على جدران القصور تمثّل كاتبين آشوريين يلقيان كلمة, في يد أحدهما قلم نقش ورقيمٌ طيني, ويحمل الآخر قطعة طويلة إما من البردي أو من الرِق ليكتب عليها, لم تكتشف أي وثيقة من البردي أو الرِقِ من تلك الحقبة. لذلك فإن "فقدان اللغة العبرية" يمكن أن يُفَسَّرَ عند بعض الباحثين من خلال احتمالهم استخدام مواد كتابة قابلة للتلف.
يقترح الكتاب المقدّس أن العبرانيين في النهاية تزاوجوا مع الكنعانيين وعبدوا آلهتهم. إن كانت هذه الملاحظة صحيحة يكون من الممكن أن الآباء والأمهات الكنعانيين قد علّموا أبنائهم وبناتهم "الإسرائيليين" لغتهم, التي كانت كنعانية.
القضاة 3: 5-6:
"فأقام بنو إسرائيل بين الكنعانيين...واتخذوا بناتهم زوجات لهم وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم"
نُخبَرُ أنه في أيام حزقيا لم يفهم اليهود في أورشليم اللغة الآرامية. بالرغم من ذلك وُصِف سلفهم يعقوب بأنه آرامي تائه هبط مصر فصار ثمّ أمة عظيمة (تثنية 26: 5). هل من الممكن أن يكون سبب فقدان شعب يهوذا للغتهم الآرامية هو انصهارهم في بوتقة الكنعانيين؟ إنهم لم يتزاوجوا مع الكنعانيين ويعبدوا آلهتهم وحسب, بل أنهم كما يبدو فقدوا لغتهم الآرامية وتكلموا وكتبوا باللغة الكنعانية أيضا.
سفر الملوك الثاني 18: 26
"فقال إلياقيم بن حلقيا وشبنة ويوآح لربشاقا: "كلم عبيدك باللغة الآرامية فإنا نفهمها ولا تُكلّمنا باليهودية على مسامع الشعب القائمين على السور"
إن كان الكتاب المقدس يسترجع الأحداث بشكل صحيح, عندها يبدو أن اللغة العبرية مع حلول العصر الحديدي الثاني (حوالي الفترة بين 1000-587 ق. م) هي في الحقيقة مزيج من الآرامية والكنعانية. تكلم إشعيا عن تسبيح يُوجّه لله ليس بالآرامية (لسان إبراهيم ويعقوب؟) بل بالكنعانية:
إشعيا 19: 18
"وفي ذلك اليوم تكون خمس مدن في أرض مصر تتكلّم بلغة كنعان وتحلف لرب الجنود....."
إن كان يعقوب آراميا وعبرانيا, تكون لغته العبرية آرامية, إلا أنه طبقا لرواية سفر الملوك الثاني 18: 26-28, لم يكن شعب يهوذا يفهمون الآرامية, واقترح إشعيا أنهم يتكلمون الكنعانية, ولهذا نقول أن الكتاب المقدس الذي بين أيدينا ليس مكتوبا بالعبرانية الآرامية, بل بالعبرانية الكنعانية, وذلك نتيجةً لتزاوج العبرانيين مع الكنعانيين كما ذكر سفر القضاة 3: 5-7.
خلال مجادلة البروفيسور دِڨَر لإثبات أن مستوطنات العصر الحديدي الأول الواقعة في مرتفعات كنعان بين الجليل والنقب هي "إسرائيلية أولية," يقوم بالمرور على نقطة هي أن العبرية هي لهجة كنعانية:
"إلا أن خزف طبقة عزبة سرتة الآثارية حقيقة هو مطابق تماما لذلك الموجود في الطبقة الرابعة عشرة من العصر البرونزي الأخير في جازر, وهو موقع كنعاني نمطي يبعد عشرة أميالٍ فقط. لقد كشفت الطبقة الثانية العائدة إلى الفترة الواقعة بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر ق. م عن بضع منازل ذات باحات متطورة بشكل كامل, محاطة بالعديد من مخازن الحبوب المرصوفة بالحجارة. من أحد هذه المخازن تأتينا قطعة خزفية نذرية أو كسرة خزف منقوشة تحتوي كتابة من خمسة سطور, يحتوي السطر الأسفل على ألف بائية كاملة مكتوبة من اليسار إلى اليمين برموز كتابية كنعانية أولية. نمتلك هنا رابطا آخر ما بين المواقع الإسرائيلية الأولية وبين الحضارة والخط بل واللغة الكنعانية على أغلب تقدير (لقد عرف الباحثون لفترة طويلة أن العبرية الكتابية هي في الحقيقة لهجة كنعانية.)
(ص. 34. وليم جي دِڨَر. "علم الآثار وظهور إسرائيل على السطح." جون آر بارليت منقحا وجامعا. علم الآثار و "التفسيرالكتابي." لندن و نيويورك. رَتلج. 1997)
على أساسٍ من المكتشفات الآثارية, بالإضافة إلى دراسة خاتمات المؤلفات التأريخية, اعتقد, بالإضافة إلى باحثين آخرين, أن الكتاب المقدّس العبراني, أو الأسفار من التكوين إلى سفر الملوك الثاني تحديدا, قد أُلّف في السبي حوالي العام 560ق.م.
إنه لا يُظهِر أي خصائص عتيقة من خصائص اللغة الكنعانية الموجودة في النصوص الآثارية للقرنين السادس عشر والخامس عشر ق. م. وعندما يبني بعض الباحثين المحافظين اعتقادهم أن الخروج من أرض مصر قد حدث في الفترة حوالي 1512 و1446 ق.م اعتمادا على ما جاء في سفر الملوك الأول 6:1 , فإن هذا يعني أن الباحثين المُحافظين لا يمكنهم أن يحددوا تأريخ كتابة التوراة في منعطف القرن السادس عشر على القرن الخامس عشر ق.م اعتمادا على أساس دراسة اللغة العبرية, إنهم يستطيعون أن يجادلوا دفاعا عن فكرتهم اعتمادا على أساس من سكوت التأريخ فقط, أي أنهم يقولون أن عدم وجود أي دليل آثاري لوجود لغة عبرية تشابه تلك المحفوظة في الكتاب المقدس لا يعني أن موسى لم يكتبه .
اعتمادا على هذه المفارقة في السجل الآثاري, نجد أن بعض الباحثين المحافظين مستعدين لأن يتنازلوا فيقولوا أن عبرية الكتاب المقدس, كما وصلت إلينا, "قد" تكون شكلا متأخرا من العبرية أتانا من الفترة بين القرن الثامن ق. م والقرن السادس ق.م, إلا أنهم سيجادلون في أن هذا كله يعني أن كاتبا متأخرا ربما قد حدَّث النصوص العتيقة الخاصة بموسى من منعطف القرن السادس عشر على الخامس عشر إلى لغة عبرية أسهل قراءة.إن الخط الحقيقي الذي تُكتب به أشكال الحروف في الكتاب المقدس العبراني الحديث, والمُسمى "الخط الآرامي," هو نتاج لفترة ما بعد السبي (القرن الرابع ق.م) والنموذج الوحيد لقطعة آثارية محفوظة تمثل نمطا أقدم للخط هو الاسم المقدس المكون من أربعة أحرف: ي-ه-و-ه (يهوه), المشهود له في نقوش يشار إليها بمصطلح "عبرية-قديمة" تعود للقرنين الثامن والسابع ق.م. إن أقدم نموذج لأي آية من الكتاب المقدس العبراني إلى حد هذا اليوم يعود إلى منتصف القرن الثالث ق.م, وقد وجد ضمن لفافات البحر الميت قرب قمران.
يقول بورستِن معلقا على "علم" أو "مباديء" اكتشاف التزييف:
"استجابة لپَيپبرويخ, كتب مابيلُن كتابه De Re Diplomatica (في دراسة دساتير القرون الوسطى, " 1681, 1704), والذي قدم للسياسيين طريقة سهلة وقابلة للفهم للتحقق من الوثائق القديمة. لقد ألقى اليسوعي پَيپبرويخ الشكوك حول الوثائق الميروڨنجية بسبب تركيب حروفها الغريب. ردا على ذلك فسر مابيلن الممثلُ للبندكتيين الأمر بقوله أنه خلال القرون تبدّلَ الكتبةُ بنفس درجة تبدّلِ الأحداثِ التي سجلوها. لقد أوضح بالعينة نماذج للخط اللاتيني امتدت من الحروف الاستهلالية الكبيرة المستخدمٌة في روما القديمة إلى الخط اليدوي المستخدم في القرن السابع عشر. من خلال دراسته لمجموعة كاملة من الأدلة, فتح مابيلُن الباب إلى العلم المساعد المختص بدراسة الخط اليدوي (الباليوغرافيا), ومواد الكتابة, والأختام (السفراجيستيكا), والتواريخ (كرونولوجيا), والمفردات (فقه اللغة). بالترافق مع مبادئه القائلة بغربلة الدليل التأريخي, فقد أصر بشكل مقبول منطقيا أن أصالة أي وثيقة تعتمد على تناسق جميع الأدلة. أضطر پَيپبرويخ نفسه في النهاية للإقرار أن مباديء مابيلُن صحيحة. وأصبح كتاب مابيلُن مرجعا كلاسيكيا للمؤرخين المستقبليين." (ص. 579. "الاكتشافات, تأريخٌ لبحث الإنسان من أجل معرفة كلمته ومعرفة نفسه." نيويورك. كتب ڨِنتاج. 1983.)
كما لاحظنا أعلاه, يعتقد بعض الباحثين المحافظين أن موسى قد كتب التوراة (أول خمسة أسفار من الكتاب المقدّس) في فترة ما خلال القرنين السادس عشر والخامس عشر ق. م. ما المشكلة إذا؟ المشكلة هي أن الخط في تلك الحقبة كما حُفِظ في النصوص الآثارية هو مختلف تماما عن الخط العبراني الذي يظهر في أقدم نماذج التوراة التي نمتلكها والتي تعود إلى الفترة من القرن الثالث إلى القرن الثاني ق.م (توجد ضمن لفافات البحر الميت في وادي قمران وأطرافه). إن الخط السينائي الأولي امتلك نظام لترميز الحروف يتكون من حوالي الثلاثين حرفا. بينما وظفت الألف بائية الأوغاريتية حوالي 27 حرفا والتي قُلِّصَت مع انعطافة القرن الثالث عشر على الثاني عشر ق.م إلى 22 حرفا, وهي ال22 حرفا صحيحا فقط التي تظهر في التوراة. إن العلامات الإعرابية الآخرية المرتبطة بالنماذج الآثارية الباقية من الفترة بين القرنين ال ثامن عشر والخامس عشر ق.م لا تظهر في التوراة.
لقد كشفت اللقى الآثارية عن أن بعضا من المدن التي يظهر اسمها في التوراة لم تظهر للوجود حتى القرنين الثامن والسابع عشر ق. م. (مثال على ذلك: بُصرة في أدوم, المسماة البُصَيرة بالعربية, والتي تظهر في سفر التكوين 36: 33).
إنني استنتج, اعتمادا على ملاحظات مابيلُن عن أن "أصالة أي وثيقة تعتمد على تناسق جميع الأدلة," أن التوراة لم تكتب من قبل موسى في القرنين السادس عشر والخامس عشر ق. م, إنها تأليف متأخر. وقد حددت تأريخا لتأليفها في السبي هو حوالي العام 560 ق.م.
كما لاحظنا مسبقا, لقد جادل المدافعون عن العقيدة المسيحية قائلين أن هذه "المفارقات" لا تعني سوى أن نص موسى قد أعيدت كتابته أو نُقِّح من قبل منقح متأخر فوضعه بالصيغة العبرية الشائعة في أوساط الفترة بين القرنين الثامن والسادس ق.م.. إن فقداننا لأي نموذج مكتوب بالعبرية في الفترة بين القرنين السادس عشر والخامس عشر يُفَسَّرُ من خلال الادعاء بأن العبرية كانت تُكتَب على مواد قابلة للتلف (الرِق) ولذلك فمن غير الواقعي أن نتوقع أن يبقى أي نموذج من تلك الحقبة إلى حد هذا اليوم.
لقد تم الادعاء من قبل بعض الباحثين المحافظين أن موسى قد كتب التوراة, أول خمسة أسفار من التوراة (التكوين, والخروج, الأحبار, والعدد, وتثنية الإشتراع). ما هي المشكلة إذا؟ إن النص يقترح شيئا آخر. إن العديد من الفقرات التي يظهر فيها موسى (الخروج إلى التثنية) تقدّم موسى كشخص ثالث وليس كمتكلم في سياق الرواية. إن من غير المحتمل جدا أن موسى, إن كان قد كتب هذه النصوص, قد قدّم نفسه بصيغة الشخص الغائب فيقول على سبيل المثال: "قال موسى, " أو "دخل موسى" أو "ففعل موسى," أو صعد موسى"..إلخ. من الواضح أن شخصا آخر غير موسى كان يكتب هذه الروايات ولذلك فهو يشير إلى موسى بصيغة الغائب. أمثلة على عدد من الآيات بصيغة الشخص الثالث الغائب:
وكان في تلك الأيام لمّا كبر موسى ..(خر 2: 11)
فخاف موسى..(خر 2: 14)
وكان موسى يرعى غنم يثرو حميه.. (خر3: 1)
فقال موسى أميلُ وأنظر هذا المنظر العظيم.. (خر 3: 3)
وقال الرب لموسى... (خر 10: 1)
فدعا موسى جميع شيوخ إسرائيل... (خر12: 21)
ولما كان الغد جلس موسى ليقضي للشعب... (خر 18: 13)
ودعا الرب موسى وخاطبه من خباء المحضر... (أح 1:1)
وكلم الرب موسى في برية سيناء ... (عد 1:1)
وكان في الغد أن موسى دخل خباء الشهادة... (عد 17:

فلما سمع موسى الشعب... (عد 11: 10)
هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن في البرية... (تث 1: 1)
ثم صعد موسى من صحراء موآب إلى جبل نبو.... (تث 34: 1)
لو كان موسى هو الكاتب لاستخدم صيغة المتكلم, على سبيل المثال: "دخلت," "رأيت," "صعدت جبل سيناء.." "أجبت قائلا," "جادلت قائلا," "جلست لأقضي للشعب," "كلمني الرب" "فاتقدت غضبا فرميت باللوحين..."
هنالك في الحقيقة القليل من المناسبات التي يتكلم فيها موسى بصيغة المتكلم باستخدام كلمة "أنا" إلا أن هذا عادة ما يكون مسبوقا بصيغة الغائب كما في المثال:
فقال موسى: أميل وأنظر هذا المنظر العظيم ما بال العليقة لا تحترق." (خر 3: 3)
بسبب هذه المفارقات المتعلقة باستخدام صيغة الشخص الثالث رضخ بعض الباحثين المحافظين إلى أن موسى لم يكتب هذه النصوص, بل أن شخصا آخر في فترة لاحقة من الزمن قد نقح أو أعاد صياغة رواية موسى الأصلية. متى عاش هذا المراجع أو المنقّح؟ إن بعض المفاتيح للإجابة على هذا السؤال نجدها في التوراة.
هنالك ذكر لملوك ملكوا في أرض أدوم قبل أن يملك ملكٌ في إسرائيل (سفر التكوين 36: 31). كان شاول أول ملوك إسرائيل (حكم في الفترة بين 1020 ق.م و 1000 ق. م تقريبا), ثم داود (حكم في الفترة ما بين 1000 و 965 ق.م), لذلك فمن الواضح أن كاتب التوراة قد كتبها في فترة ما من العصر الملكي بعد داود.
مفتاح آخر للإجابة هو ذكر بُصرة في سفر التكوين 36: 33. إن التنقيبات في بُصَيرة الحالية المعتقد أنها كانت العاصمة الأدومية قد كشفت عن أن أساسات المدينة الآثارية لا تزيد في عُمرها عن القرن الثامن ق.م, الأمر الذي يؤدي إلى عدم إمكانية وضع مؤلف التوراة قبل هذا التأريخ.
مفتاح آخر هو أن مدينة نينوى تُعطى شرف ذكرها أولا قبل كالح وراسن (سفر التكوين 10: 10). عندما كان موسى حيا (القرن السادس عشر أو الخامس عشر ق. م) كانت عاصمة بلاد آشور مدينة آشور (أقصى جنوب بلاد آشور, جنوب كالح ونينوى. المترجم), والتي لا ذكر لها في أي موضع من التوراة. وتبعتها كالح في القرن العاشر ق.م. والتي بدورها تبعتها نينوى في عام 704 ق.م, التي سقطت في عام 612 ق.م. إن إعطاء نينوى شرف الذكر أولا يجعلنا نقترح أنها كانت المدينة الأكثر شهرة في بلاد آشور في زمن كتاب سفر التكوين, لذلك يكون مؤلف التوراة قد عاش في فترة ما بعد 704 ق.م
المفتاح الأخير للإجابة عن سؤال متى كتبت التوراة يوجد في سفر الملوك الثاني 25: 27 والذي يذكر إطلاق الملك اليهودي يوياقين من قبل الملك البابلي أويل مَروداك (بالبابلية: أمِل مردوخ). يحدد الباحثون فترة حكم أويل مروداك في الفترة الواقعة بين 562 و560 ق. م تقريبا. إن عددا من الباحثين قد اقترحوا أن الأسفار من التكوين إلى سفر الملوك الثاني هي تأريخ موحد لإسرائيل منذ بدء العالم حتى السبي وآخر مفتاح لتحديد التـاريخ يكشف أن زمن تأليف هذا التأريخ الموحد هو حوالي 562-560 ق.م في السبي.
لقد اقترحت دَلي أن المُشابَهات العديدة الموجودة بين الكتاب المقدس العبراني و الكنايات الثقافية والمفاهيم الرافدينية يمكِن أن تُعزى إلى درجة ما إلى أن كنعان العصر البرونزي الأخير قد امتلكت كتبة مدربين على فن كتابة السومرية والأكدية والكنعانية باستخدام الخط المسماري على رُقُمٍ طينية (كجزء من تدريبهم قرأ هؤلاء الكتبة الأعمال الأدبية في السومرية والأكدية). لقد لاحظت أن مثل هؤلاء الكتبة قد وجدوا في أورشليم حتى القرن الرابع عشر ق.م (رُقُمٌ من أورشليم قد وجدت في تل العمارنة, عاصمة الفرعون أخناتون, حوالي 1350-1334 ق. م). إنها تقترح أن النقوش المرمرية البارزة المكتشفة من الفترة الآشورية الحديثة التي تصوّر كاتبين أحدهما يكتب على الطين بقلم نقش والآخر بقلم على رِق قد تعكس أنه كان هنالك فترة كُتِبت فيها خطوط ألف بائية على مواد فانية بينما حُفِظت مقابلاتها المسمارية على الطين المخبوز.
تقول دَلي:
"خلال العصر البرونزي استخدم سكان فلسطين تقنيات وتدريبات الكتابة التي تطور في الأصل في بلاد ما بين النهرين. في ذلك الوقت تطورت أساليب الترجمة لتحويل نص من لغة إلى أخرى بخطٍ مسماري. عندما نزل العبرانيون في المدن بدأوا باستخدام الكتابة الألف بائية لتدوين أدبهم القومي, متبنين أنماطا أساليب في التأليف أكثر قِدما, ومحولين الطقوس الوثنية لأغراضهم الاجتماعية والدينية.
احتوت أورشليم في فترة العمارنة رجالا متعلمين كانوا يستطيعون القراءة والكتابة بالأكدية, وكانوا قد تمرنوا على روائع الأدب الرافديني. احتفظت المدينة في العصر البرونزي المبكر بسجلات مثل الحوليات الملكية, كما تذكر عبارات واضحة في الكتاب المقدس, وكانت عامرة بالسكان خلال الفترة التي حدث فيها التغير المرحلي من الكتابة المسمارية إلى الألفبائية... تقليدٌ متواترٌ من نشاط الكتبةِ يُمكن أن يُفَسِّرَ لماذا بالإمكان إيجاد مقارنات عديدة بين الأدب الأكدي والكتابي... عمل كتبة العصر الحديدي المختصين بالمسمارية والألف بائية الآرامية سويا كما يُصَوَّرون على المنحوتات الجدارية البارزة الآشورية...
يمكن إيجاد علامات على التأثير (الرافديني) في العديد من أجزاء الكتاب المقدس. إن تدرّب الكتبة هو المفتاح لتفسير الكثير من التشابهات بين النصوص الرافدينية والفقرات الكتابية. عندما خلق العبرانيون أدبهم ومؤسساتهم المميزة استخدموا للوحدات البناء الأدبي التقاليدَ القديمةَ جاءت من جيرانهم الأقدم والأثرى والأقوى في المشرق."
(ص. 79. ستيفاني دلي. "تأثير بلاد ما بين النهرين على إسرائيل والكتاب المقدّس." ص ص. 57-83. ستيفاني دلي مراجعةً, "ميراث ما بين النهرين. نيويورك. مطبعة جامعة أوكسفورد. 1998. أعيد طبعه عام 2005).
المترجم: إبن المقفّع 
المصدر: لا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او
دخولwww.bibleorigins.net