تعقيبا على طرح الزميل راهب العلم فإني أود أن أضيف شيئا مهما ...
ما أورده الزميل راهب العلم هو استناج منطقي لأصل التحريم عند اليهود ولكنه لا يفسر العملية بشكل قطعي وإنما فقط يكشف أحد قواعد اللعبة في الاقتباس التوراتي من كافة الحضارات التي جاورها اليهود على مدى ثلاثة آلاف سنة , بالطبع كل الاحترام والتقدير للمجهود الرائع الذي بتحفنا به بحق الزميل المبدع راهب العلم و المتجدد باستمرار ...
اسمحلي هنا زميلي أن أضيف تفسيري المحتمل لعملية التحريم الواردة في كلتي الديانتين اليهودية والاسلامية ...
أولا بالنسبة لليهودية :
لربما كان أحد أصول التشريع ناجما عن أسطورة حورس , ولكي هنا سأورد رأيا مغايرا قليلا لذلك وأعتقد أنه يسبق الأسطورة وله تأثير على التحريم أقل أو أكثر من الأسطورة .
لاحظ الإنسان و منذ نشؤه أن الخنزير يتمتع بمواصفات مختلفة عن الحيوانات الأخرى و بالتأكيد فهو قد لاحظ أيضا القذارة التي يفرضها الخنزير بتواجده و طريقة حياته مما حدا به لتصنيفه عبر العصور بأنه كائن قذر ولربما هذا ما حدا بكاتب الأسطورة إلى إتخاذ الآلهة لشكل الخنزير حتى يمنع المصريين من تناوله ...
مما نفهمة من تحريم التوارة للخنزير هو النجاسة ومن وجهة نظري أرى أن مفهوم القذراة (بتحفظ ) هو الأصل في النجاسة كونه يعاكس مفهوم الطهارة . وهذا المفهوم يسبق الأسطورة بكثير منذ إنشاء سفر التكوين و يمكن إيجاد دلائل على أسبقيته من أسفار التكوين عندما اعتبر الرجل أن الحيض عند المرأة هو دليل معاقبة الخالق (يهوه ) لها بعد معصيته و تناول من ثمار شجرة المعرفة :
6فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. 7فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.
16وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».
هذا الدليل جعل الرجل يكره الحيض ويذكره دوما بخطيئته الأولى (بحسب المعتقد طبعا ) مما دفعه إلى إعتباره الحيض نجسا أو قذارة (لاحظ معي أن المسلمون والمسيحيون واليهود يتشاركون في هذا الإعتقاد أيضا ) ..
أعود إلى الفكرة الأصلية و هي النجاسة والطهارة .
إذا أخذنا الفترة التي عاشها اليهود في مصر و اعتمدنا فكرة الزميل راهب العلم في دراسة أسطورة حورس نجد سهولة في ربط الفكرتين , فالعبرانيين تأثروا بشكل كبير بالفراعنة و عاداتهم (هذا ولم نأخذ بعين الإعتبار الدراسات التي تؤكد أن موسى هو أحد كهنة أخناتون ) مما سهل دمج الأسطورة و فكرة النجاسة لإنشاء التشريع الأولي في التحريم . أقول الأولي لأن التحريم بالشكل الذي تذكره التوارة لا يتوضح إلا بعد العبور واستقرار العبرانيين في فلسطين .
أعتقد أن فكرة النجاسة في الخنزير و التحريم له تتوضح أكثر عند قراءة العهد الجديد عند المسيحية ..
لاحظ معي عزيزي القارئ الفقرة التالية مت أنجيل متى :
28وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ، اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ. 29وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ:«مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟» 30وَكَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى. 31فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ:«إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ». 32فَقَالَ لَهُمُ:«امْضُوا». فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ. 33أَمَّا الرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ أَمْرِ الْمَجْنُونَيْنِ. 34فَإِذَا كُلُّ الْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ. وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ.تدل الفقرة السابقة على اعتقاد اليهودية بشكل عام أن النجاسة هي سكن الشياطين في كائن ما (حي على الأغلب لانني أذكر ان بعض الجمادات أيضا مسكونة بها ) .. ( أيضا نجد مفهوم الجنون عند اليهودية والمسيحية فيها ولكن هذا خارج عن موضوعنا الآن ) ..
هنا تم نجد الإختلاف في مفهوم النجاسة لديهم و فبعد أن كانت وفقا للأسطورة و وفقا لنجاسة
القذارة هي الأصل في نجاسة الخنزير أصبحت النجاسة أيضا ناجمة عن سكن الشياطين في الإنسان أو الحيوان ...
إذا يمكن الإستنتاج أيضا أن التحريم النهائي للخنزير نجم عن التحريم الأول إضافة إلى أنها مسكن أساسي للشياطين ...
هناك أيضا مفهوم متأخر للتحريم سمعته من أحد اليهود في دمشق (أيام وجودهم فيها ) وهو أن الخنازير تسكنها أرواح نجسة , وهو تفسير محتمل أنه تطور عن سكن الشياطين باعتبارها أرواح و أعتقد أيضا أنه يمكن الاستدلال عليه في التوارة والإنجيل ولكن ليس لدي الوقت للبحث عنها ... إضافة إلى بعض المعتقدات العامة (لدى اليهود والمسلمين بشكل خاص ) بأن الخنازير أناس ممسوخين على هذه الهيئة لمعاقبتهم على أفعالهم , ولكني لم أجد دليلا بعد عليها في التوارة أو الإنجيل ..
على كل و كإستنتاج منطقي نجد أن التحريم اليهودي للحم الخنزير لم يكن فقط بنتيجة الأسطورة ولكن أيضا بسبب الخوف من أن تسكن الشياطين الإنسان الذي يأكل لحمه ...
هذه التحريم قد توارثته أجيال اليهودية حتى زمن محمد (وإلى الآن أيضاً ) .
ثانيا التحريم في الإسلام :
سأتكلم أولا من جهة كوني ملحدا و أضع تفسيرا له ...
كان لا بد لمحمد من إدراج التحريم في القرآن لإعتماده المطلق على دعم اليهود المنضمين له وهذه أحد العقائد الرئيسية لديهم فلم يكن باليد حيلة إلا تحريمها حتى يضمن ولاء اليهود و حتى يستطيع كسب المزيد من الأنصار منهم و حتى بين النصرانية المتواجدة في شبه الجزيرة كونها تقترب في فحوى معتقداتها من اليهودية ... أيضا فهو قد شرع اليهودية واعتبرها دينا من الله فهو لا يستطيع عندئذ تحليل ما حرمه الله ولم يكن في إقصاء الخنزير من مشكلة كونه لا يقدم ولا يؤخر من حيث الدعوة إلى الإسلام بل هو عامل مساعد عليها بين اليهود و في النهاية ليس أكثر من مجرد حيوان ...
إذا نظرنا للموضوع من وجهة دينية فإنه من المنطقي أن يحرم إله المسلمين (والذي هو أيضا إله اليهود باعترافه ) ما حرمه في الماضي ويؤكد عليه تجنبا للتناقض مع كتبه الأولى , والاتهام بالاقتباس هنا لا يعني أي شي كون الله نفسه يقول عن اليهودية أنها دين من عنده وبالتالي ما حرم فيها سوف يحرم في الإسلام أيضا ...
عذرا من الزميل راهب العلم على الإضافة و أحترم بصدق مجهودك الرائع
محبتي للجميع

مانديموس