تحية للعزيز حيران و لكل الزملاء الكرام
بالتأكيد التناقض في الايات واضح كغيره من التناقضات الموجودة في كل النصوص الدينية
و مشاركتي و ان كانت تبدأ من نقطة بعيدة قليلا عن سؤال الموضوع الا اني اري لها علاقة مباشرة به
مفهوم النبوة في التوراة يختلف عن المفهوم الاسلامي للنبي و النبوة ..
بطول التوراة نجد مثات من الانبياء في كل عصر و في كل مرحلة تاريخية .. و النبي في المفهوم التوراتي اليهودي هو مفهوم قريب من مفهوم الكاهن او الساحر او رجل الدين في الديانات القديمة و الذي كانت مهمته تقتصر علي تبليغ اوامر محددة من الاله كحل او فتوي في اشكالية معينة .. و ليست مهمته تبليغ تشريع باي حال من الاحوال
و غالبا ما تأتيه تلك الاوامر من الاله علي شكل رؤية او وحي .. حلم او غيره
و يتشابه هذا الاسلوب مع قراءة الطالع او التنبؤ بالمستقبل لمعرفة رأي الالهة في امر او تصرف محدد
و هناك الكثير من النصوص في التوراة التي توضح
1. ان النبي هو مجرد وسيط بين الالهة و الملك او القائد في امر محدد
ولما دخلا ارض صوف قال شاول لغلامه الذي معه تعال نرجع لئلا يترك ابي الاتن ويهتم بنا. 6 فقال له هوذا رجل الله في هذه المدينة والرجل مكرّم.كل ما يقوله يصير.لنذهب الآن الى هناك لعله يخبرنا عن طريقنا التي نسلك فيها. 7 فقال شاول للغلام هوذا نذهب فماذا نقدم للرجل.لان الخبز قد نفذ من اوعيتنا وليس من هدية نقدمها لرجل الله.ماذا معنا. 8 فعاد الغلام واجاب شاول وقال هوذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة فاعطيه لرجل الله فيخبرنا عن طريقنا.9 سابقا في اسرائيل هكذا كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل الله.هلم نذهب الى الرائي.لان النبي اليوم كان يدعى سابقا الرائي. 10 فقال شاول لغلامه كلامك حسن.هلم نذهب.فذهبا الى المدينة التي فيها رجل الله. صموئيل الاول 9
2. كان عدد الانبياء كبيرا في كل وقت .. و لا يمنع وجود نبي من وجود انبياء اخرون و كانت درجة تقديرهم متفاوتة
بعد ذلك تأتي الى جبعة الله حيث انصاب الفلسطينيين ويكون عند مجيئك الى هناك الى المدينة انك تصادف زمرة من الانبياء نازلين من المرتفعة وامامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبأون. 6 فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول الى رجل آخر. صموئيل الاول 10
وكان حينما قطعت ايزابل انبياء الرب ان عوبديا اخذ مئة نبي وخبأهم خمسين رجلا في مغارة وعالهم بخبز وماء. ملوك اول 18
3. في التوراة تعرض الكثير من الانبياء – و احيانا بشكل جماعي – الي القتل و الاعدام
و كان هذا يعود لعدة اسباب
اما انهم يخطئون في توقع المستقبل .. كأن لا يستطيعوا التنبؤ الصحيح بنتيجة معركة ما
او انهم يعارضون رغبة للملك او الحاكم
او انهم يهرطقون علي الاله و يبلغوا اوامر غير ما قال لهم
او ان قومهم يقتلوهم لاسباب قد تعود الي اضطرابات او مشاكل سياسية او اجتماعة او اقتصادية
و
ذلك النبي او الحالم ذلك الحلم يقتل لانه تكلم بالزيغ من وراء الرب الهكم الذي اخرجكم من ارض مصر وفداكم من بيت العبودية لكي يطوّحكم عن الطريق التي امركم الرب الهكم ان تسلكوا فيها.فتنزعون الشر من بينكم. تثنية 13
واما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاما لم اوصه ان يتكلم به او الذي يتكلم باسم آلهة اخرى فيموت ذلك النبي. تثنية 18
واذا بصوت اليه يقول ما لك ههنا يا ايليا.14 فقال غرت غيرة للرب اله الجنود لان بني اسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا انبياءك بالسيف فبقيت انا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها.و تضع تلك النصوص القران في مأزق ..
الاشكالية هي مفهوم الانبياء في التوراة و المختلف كليا عن مفهوم الاسلام له
و القران لم يذكر صراحة اي تعريف للنبي و لم يعارض التعريفات التي ذكرتها التوراة و مع ذلك نجده يعدهم بالنصر – و هو ما لم يحدث – او يتوعد من قتلهم بالعذاب مع انهم قتلوهم تنفيذا لاوامر الاله؟؟
الامر الاخر .. ان الانبياء في التوراة لم يكونو مكلفين بابلاغ اي تشريعات و لم يحدد القران لاي منهم اي تشريعات عارضهم فيها قومهم .. و لنتذكر قصص يعقوب و يوسف و الاسباط .. و نتسائل ما هي التشريعات التي اتوا بها؟
التوراة لا تذكر اي صاحب تشريع سوي موسي .. و كل الانبياء ذوي الشأن بعده – و المسماة باسمائهم بعض اسفار التوراة – لم يأتوا باي تشريعات .. بل كانت مهمتهم تقتصر علي تنصيب ملك ما – مثل قصة شاؤول و داود و غيرهم – او ابلاغ نبؤة او رسالة محددة .. او محاولة تذكير الناس بشرائع موسي
او حتي مجرد التعامل مع الناس و مساعدتهم في طقوسهم ..
و الا ما حاجة هذا الاله لكل تلك المئات من الانبياء معا ؟؟
الامر يبدو كما لو ان التراث الاسلامي اخذ لفظة النبي و تغير معناها بمرور الوقت .. و حاول الاسلام الرقي بصورة الانبياء حيث ان التوراة تفترض لهم علاقة مباشرة مع الله دون الناس .. فكيف يتأتي ان يقوموا بالفواحش او يهرطقوا علي الاله .. او حتي يتعرضوا للقتل و التنكيل رغم كونهم رسل رب العالمين
فوعدهم بالنصر
و لكن القران لم يستطع تجاهل القصص الواردة في التوراة و التي تنص صراحة علي قتل الانبياء .. فجاء التناقض في الامر حين اراد ان يستخدم تلك القصص في صراعه مع اليهود بعد اختلاف المصالح و الاستراتيجيات
امر اخر
حرصت التوراة علي التفريق يين الملوك و الانبياء .. فلم تدعي مثلا ان داود او سليمان او شاؤول او غيرهم من ملوك اليهود كانوا انبياء .. بل كان الانبياء يمثلون طبقة اخري او مهنة ما ..
و ربما تكون الحالة الوحيدة التي اجتمعت فيها النبوة مع القيادة هي حالة موسي .. و حتي في تلك الحالة لم يكن موسي ملكا ..
و مع الاسلام و الرغبة في جمع السلطة الدينية مع القيادة السياسية .. تم الارتفاع بمكانة الانبياء معنويا و تم قصر النبوة علي محمد فلا نبي غيره معاصر له .. و لا نبي بعده .. و لا اتصال بين السماء و الارض الا من خلاله ..
و في نفس الوقت هو القائد السياسي و العسكري للجماعة الجديدة .. و كان يجب ان يأتي القران بما يتناسب مع هذا من ارتفاع بمكانة و شأن انبياء بني اسرائيل الذين لم يكونوا سوي رجال طقوس او شعائر لا دخل لهم في الامر السياسي .. و ان كان هذا لم يمنع ظهور شخصيات مؤثرة منهم مثل اشعيا و صموئيل و دانيال و غيرهم ..
و لكن لم يحاول احدهم مثلا الاخذ بزمام السلطة السياسية و القيادة.
و هكذا نجد ان القران اسبغ صفات النبوة علي ملوك بني اسرائيل بغير حق .. تبشيرا بالقائد القادم "محمد"
و ارتفع بشأن الانبياء من مجرد طائفة مشعوذة الي مصدر التشريع الالهي ... تكريسا لمحمد كصاحب الكلمة الاولي و الاخيرة و الوحيدة في وضع القانون
تحياتي للجميع
