عزيزي اريو
شكراً لك على اتاحة الفرصة لي لتوضيح بعض الامور المهمة.
يجب علينا ان نفرق دائماً بين الكلام الذي يقال في مقام الجدل مع الخصم وبين الكلام الذي يوضح لتوضيح نظرية او رأي او فكر معين.
فحينما تناقش غيرك لابد ان يكون هناك جملة من القضايا المتفق عليها والتي كون المرجع للاحتجاج على الخصم والا تحول الجدل الى "حوار طرشان" كل طرف من اطرافه يتحدث بناحية ويحتج بما لايشكل معنى للاخر !
يقال ان الجدل يقوم على المسلمات والمشهورات...ام المسلمات فهي ما يسلم الطرفان بصحته وعلى كونه صادقاً وان لم يكن صادقاً في ذاته او حتى مشكوك فيه !
مثال على هذا محاورة بين مسلم ومسيحي فهنا لايمكن للمسلم ان يحتج بالقرآن على المسيحي لان المسيحي لايسلم بصحة القرآن

وهكذا لايمكن للمسلم ان يحتج علي باية من القرآن ولاحتى المسيحي يحتج علي بكتابه لانني لا اسلم بصحتهما ...بل لابد له ان يحتج بما اقر به واعترف واراه صادقاً...وهكذا في الجدل اذا كان الطرف الثاني هو خصم من المخالفين فان تقر ببعض مايقول بهدف افساد معتقده ...اي ان تريه ان مجموع مايؤمن به هو مناقض لنفسه ولايمكن ان يستقيم معاً.
وفي المحاورات انت تحصل على المسلمة عن طريق سؤال الخصم كأن تقول له: اليس كذا هو كذا؟ اليس الله عادلاً عندك؟ اليس الله خالق كل شيء عندك؟ فان قال نعم حصل التسالم بتلك القضية، ويجب انلا تدع الخصم يفطن الى انك تريد ان تستخدم هذه المقدمة تفسد عليه ايمانه واعتقاده لانه قد يراوغ ويتهرب ! وهكذا يطون الجدل فن من الفنون لايفلح به الا من اؤتي ملكة الجدل.
وهناك المشهورات وهي مايتفق على صحته اهل الرأي وان لم يكن يقينياً بل بلغ بصحته درجة الشهرة بين اهل الاختصاص او الرأي (وليس العامة انتبه جيداً) مثل ان النار تحرق...هذه مشهورة...او القمر يستمد ضوءه من الشمس، وقد تكون المشهورة خاصة عند طائفة معينة من الناس دون غيرهم مثل شهرة امتناع التسلسل عند المتكلمين او تكون عامة مشهورة عن الناس كلهم مثل قانون الجاذبية.
الان انا حينما اريد ان احاور الديني فانا احاورهبما يسلم به ويعتقد بصحته ولاجدوى لمحاورته بما لايعتقده صحيحاً ! وانا افسد له معتقده بما يراه صحيحاً من مسألة الشر او معضلة الشر.
الان بعد هذه المقدمة الطويلة

نعود الى سؤالك
ارسطو كان يرى ان الخير والشر امران وجوديان وعليه قسم الموجودات الى خمسة اصناف:
1- خير محض
2- شر محض
3- مايزيد الخير به على الشر
4- مايزيد الشر به على الخير
5- مايتساوى به الخير مع الشر.
وكان ارسطو يرى ان الاول والثالث يوجد بحسب مقتض الحكمة الالهية اما لخامس فلايوجد لانه لايمكن الترجيح بلا مرجح واما الرابع فلايوجد لان فيه ترجيح المرجوح على الراجح واما الثاني فانه من باب اولى بالاولولية القطعية لايوجد بعد ثبوت عدم امكان وجود الخامس والرابع

وهنا برزت معضلة الشر الالحادية التي لم يكن هناك من يستطيع ان يجيب عليها بصورة صحيحة وكانت بالفعل اقوى حجة بيد الالحاد !
المهم جاء فيلسوف مسيحي مشهور جداً هو القديس اوغسطين حاول ان يرد هذا الاشكال عن طريق اعتبار الشر هو امر عدمي وليس وجودي ويتضح هذا من ملاحظة ان مفهوم الشر والفساد والقبح يتضح من قياس هذه المفاهيم الى الحسن والكمال فانه لما كان في الصحة مصلحة لنا ومنفعة لنا عددنا الصحة خيراً ولما كان في المرض قبح ونقص وفساد للانسان قياساً بالصحة اعتبرناها شراً ...وهكذا كل ماله عندنا منفعة بالقياس الى غره نعتبره خير، ونعتبر ما يقابله شراً.
لاحظ مثلاً اننا لانعتبر الزوجية او الفردية شراً او خيراً اذ ليس هناك في هذا المورد انتفاع او ساتحسان اوستقباح حتى يكون احدهما شراً والخر خيراً.
اذن الشر هو مفهوم نسبي ولابد له من موضوع وامر وجودي ينتسب اليه حتى يكون غياب هذه الصفة هو الشر.
مثال لابد لكيما يكون المرض شراً ان يكون هناك صحة اي لابد لكي يكون هناك مرض ان يكون هناك امر وجودي هو الصحة !
وسيكون الشر هو ارتفاع هذا الامر الوجودي المتمثل بالصحة.
هنا لاتنفع حجة وجود الشر لانه بكل بساطة الله لم يخلق الشر

لان الشر عدم بل الله خلق الخير وخلق الكمال ولهذا يرى الفيلسوف الالهي ان العالم هو افضل مايمكن ولم يكن بالامكان ان يكون هناك افضل من هذا ومن ثم لان المادة من صفاتها التقلب والتغير فان مايكون كاملاً ينقص ومايكون ناقصاً يكتمل !
ولكن هذا لايعني انه اسقط في ايدينا فحجة وجود الشر فيها العديد من التقسيمات التي نستطيع عن طريقها ان نهرب من هذا الجواب وابرزها هو حجة الالم والمعاناة فالالم امر وجودي بل تأكيد.
وقد طرحت في منتدى الفكر العربي نسخة (من اختراعي) لحجة الالم والمعاناة وهي تنفع للاحتجاج على المتكلمين فقط ! وساحاول ان اكمل البحث لكي تشمل الفلاسفة والمتكلمين في موضوع قادم:
هذه هي الحجة:
انه لما ثبت عندنا ان الالم والمعاناة امران وجوديان لان الالم يحس وقد ثبت عندنا ان الاحساس ليس وهماً وسفسطة وان الالم والمعاناة زائدين على ماهية الانسان لان الانسان من حيث هو انسان لا متألم ولاغير متألم فيثبت عندنا ان الالم والمعاناة هما امران عارضان على الانسان زائدان عليه.
ولما كان كل عارض معلول كما هو ثابت في الفلسفة كان لابد من علة للالم الانساني ومعاناته ولامتناع التسلسل (كما يزعم المتكلمون) كان لابد من علة لاعلة لها لعروض الالم على الانسان.
ولاتخلو هذه العلة من امرين اما ان تكون هي الله او تكون غيره، فان قيل غيره...فقد خرج الى وجود اله اخر مع الله وهو القول بالواجبين بينما الثابت عندنا ان الواجب (بحسب مفهومنا للواجب) لايتعدد.
وان قيل هو الله فدل على وجود جهة يكون فيها الله منشأً للالم والمعاناة وجهة اخرى تكون منشأً للسعادة...ولان الالم والمعاناة بالقياس الى السعادة شر والسعادة بالقياس الى الالم والمعاناة خير..وكان واجد الشيء غير فاقد له فان جهة الخير تكون خيراً وجهة الشر تكون شراً.
وقد ثبت عندنا ان واجب الوجود واجب من جميع الجهات وواحد من جميع الجهات وبسيط من كل الجهات فانه لايمكن ان تتعدد فيه الجهات والحيثيات فلا حيثية له سوى حيثية واحدة وهكذا تكون جهة الخير هي عين جهة الشر، والخير نقيض الشر فاجتماعهما في جهة واحدة وحيثية واحدة هو اجتماع النقيضين الممتنع.
وفي كلتا الحالتين يسقط وجود الاله.

تحياتي للجميع
